الحلبي
437
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
لأن اللّه تعالى يقول : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [ الأنفال : الآية 25 ] . وعن محمد بن كعب ما حاصله « أن الملأ من قريش أقسموا للنبي صلى اللّه عليه وسلم باللّه عز وجل أنهم يؤمنون به إذا صار الصفا ذهبا ، فقام يدعو اللّه تعالى أن يعطيهم ما سألوه فأتاه جبريل : فقال له : إن شئت كان ذلك ولكني لم آت قوما بآية اقترحوها فلم يؤمنوا بها إلا أمرت بتعذيبهم » وفيه أنه حينئذ يشكل رواية سؤالهم انشقاق القمر . وفي رواية « أتاه جبريل ، فقال : يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول : إن شئت أن يصبح لهم الصفا ذهبا ، فإن لم يؤمنوا أنزلت عليهم العذاب ، عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ، وإن شئت أن لا تصير ذهبا وفتحت لهم باب الرحمة والتوبة ، فقال : لا ، بل أن تفتح لهم باب الرحمة والتوبة » . وفي رواية « وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم ، فقال صلى اللّه عليه وسلم ، بل حتى يتوب تائبهم » . وأيضا وافق على فتح باب الرحمة والتوبة ، لأنه صلى اللّه عليه وسلم علم أن سؤالهم لذلك جهل ، لأنه خفيت عليهم حكمة إرسال الرسل ، وهي امتحان الخلق وتعبدهم بتصديق الرسل ، ليكون إيمانهم عن نظر واستدلال ، فيحصل الثواب لمن فعل ذلك ، ويحصل العقاب لمن أعرض عنه ، إذ مع كشف الغطاء يحصل العلم الضروري ، فلا يحتاج إلى إرسال الرسل ، ويفوت الإيمان بالغيب . وأيضا لم يسألوا ما سألوا من تلك الآيات إلا تعنتا واستهزاء ، لا على جهة الاسترشاد ودفع الشك ، وإلى سؤالهم تلك الآيات وارتيابهم في القرآن ، وقولهم فيه إنه سحر وافتراء : أي سحر يأثره : أي يأخذه عن مثله وعن أهل بابل ، يفرّق به بين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجه ، وبين المرء وعشيرته إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ( 25 ) [ المدثر : الآية 25 ] من قول أبي اليسر ، وهو عبد لبني الحضرمي كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يجالسه وإلى قول أبي جهل أيضا : تزاحمنا نحن وبنو عبد المطلب الشرف ، حتى صرنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يوحى إليه ، واللّه لا نرضى به ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه ، فنزل قوله تعالى : وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ [ الأنعام : الآية 124 ] وإلى هذا أشار صاحب الهمزية بقوله : عجبا للكفار زادوا ضلالا * بالذي فيه للعقول اهتداء والذي يسألون منه كتاب * منزل قد أتاهم وارتقاء أي أعجب عجبا من حال الكفار حالة كونهم زادوا ضلالا بالقرآن الذي فيه اهتداء للعقول ، وأعجب عجبا أيضا من الأمر الذي يطلبونه منه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو كثير من جملته كتاب منزل معه عليهم من السماء وهو القرآن :